السيد محمد حسين فضل الله

70

من وحي القرآن

بقرينة الآيات المتعددة التي اعتبرت الإسلام دين إبراهيم ، إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ * وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [ البقرة : 131 - 132 ] ، مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ [ الحج : 78 ] . أما جوابنا على السؤال ، فهو أن الآية واردة في مجال تأكيد العناصر الأساسية التي تلتقي عليها الأديان واعتبارها أساسا للحصول على ثواب اللّه ورضاه في النطاق الفكري والعملي للدين ، بحيث ترجع كل مفرداته إليها ، وذلك كردّ على الأجواء الاستعراضية التي يحاول كل فريق أن يعتبر نفسه في خط النجاة في الآخرة بعيدا عن الالتزام الفكري والعملي بالعقيدة ، حتى كأنّ القضية قضية أسماء وواجهات ، لا قضية عقيدة وعمل ، فهي في جوّها الداخلي ، واردة مورد الآية الكريمة : لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ [ النساء : 123 ] إنما هي واردة لمعالجة جانب واحد من القضية ، وليست لمعالجة كل الجوانب ليؤخذ بإطلاقها اللفظيّ . وعلى هذا الأساس ، فلا مانع من أن تكون الآيات الكثيرة المتنوعة في القرآن مكمّلة لمدلول هذه الآية ، باعتبار أن الإيمان بالرسول هو من شؤون الإيمان باللّه بعد وضوح البيّنات والدلائل الظاهرة ، لأن الكفر به يكشف عن فقدان الأسس القوية للإيمان ؛ وهذا هو الوجه الذي يمكن أن تنسجم فيه الآية مع الآيات الأخرى التي تندد بالفئات الأخرى وتعتبرهم منحرفين في جانب العقيدة والعمل ، كما نلاحظه في الآيات التي تتحدث عن اليهود والنصارى وعن انحرافهم عن الخط المستقيم في الفكر والعمل . وربما يخطر في البال أن الإيمان بالرسول يختلف عن الإيمان باللّه في مدلوله الإيماني وفي طبيعة موقعه من العقيدة ، فإن الإيمان باللّه غاية في نفسه باعتبار أن معرفته وعبادته من أسس العقيدة في ذاتها ، أمّا الإيمان بالرسول ، فقد لوحظ من حيث هو طريق للارتباط بالرسالة والعمل الصالح ، ولذلك لم